كويت .. اللاذكريات
اعتدت التجوال في ذاكرتي وحدي .. كأي إنسان ترافقه ذكرياته أينما حلّ وأينما رحل , وتكبر هذه الذكريات كأي عضو من أعضاء الجسد حين تحتفظ بأماكنها كما هي , فتلك التي تلامس الطفولة دائما ما يحتفظ العقل والقلب بها سويا بجميع تفاصيليها بعائلة تُسمى عائلة الحنين .
سوق “المباركية” القديم هو أحدى تلك الذكريات التي اعتدتُ على التجوال وحيدا بين أزقته برفقة عائلة الحنين ,فبعض المقتنيات مازالت تحلو لي من ذلك السوق رغم توفرها بكثير من أسواق الكويت ، ورغم أنني أعرف إلى أين أذهب تحديدا, لكن دوما ما أتبع خطواتي بلا وعي إلى أزقة متحسسا بها أصوات وروائح الحنين .
يوم الوقوف بعرفات لهذا العام مختلف جدا . مختلف حدّ الحزن , مختلف حدّ الصدمة , فخطواتي التي كانت تقودني إلى مكان يستوطنني منذ أن عرفت اسمي وأغفو إليه حين أحتاج إلى نفسي فقط , قداتني هذه المرة إلى عالم لم أعتد على رؤيته منذ كُتبت ذاكرتي أول كلمة في شجرة العائلة , قادتني إلى مشهد لم أراه من قبل وكأنني نُقلتُ فجأة إلى عالم أو زمن آخر.
انهيت دقيقة من الذهول سائلا أحد الباعة : أهنا سوق “الحريم” ؟؟ فأجابني : نعم ، لكنني سمعتها وترددت أصداؤها في القلب .. ما بين كان … ولا , وما بين رنة صدى وأخرى أتساءل .. أهنا تزاحم الناس وارتطام الأكتف ببعضها .. والغبار المتناثر بين الأقدام ، أهنا كان كانت محلات “الجواتي” التي تكتسي باللونين الأسود والأبيض، أم تلك البسطات في نهاية السوق والتي أذكر تماما حين وجدني أخي ضائعا بعد أن تركت يد أمي التي مازال صوتها ملئ المكان , وذكريات لا أستطيع الانتقاء منها لتراصّها ما بين زحمة الذكريات .
في ذاك المشهد .. جفت دمعة اخرى وارتصت بجانب أخواتها اللاتي يبسن من قسوة القلب وقسوة المكان والزمان .. لم تدمع عيني … لكنني حزنت جدا كالذي يفقد إحدى كليتيه أو عضوا من جسمه فتُحبس الدموع في عينيه كرها … و يعرف في قرارة نفسه أن الموت بات قريبا.
جريمة قتل من سأحاسب عليها وبأي محكمة سأقدم أوراق ذكرياتي وعلى أي قانون سيحكم القاضي .. في بلاد لا محاكم فيها للذكريات ونبض القلوب.
لو يعي قاتل ذكرياتي أنه يقتل ذكرياته برفقة ذكرياتي لما قتل ، وأن حاضر الإنسان هو امتداد لتاريخه لتشبّث في ماضيه كما يتشبث بالأمل , لو يعي أن إزالة الذكريات ستُزيل حب الأرض من قلوبنا لما فعل .
الحب … لا يعترف بأوراق رسيمة أو وثائق ثبوتية , فليس كل حب يوثق في المحكمة ومؤسسات الدولة , وليس كل ارتباط رسمي يقوم على عامل الحب ، وليس الزواج الكاثوليكي ناجحا رغم أنه يدوم طويلا ويحكم على الزوجين بالمؤبد ، الحب مقترن بمدى تفاعل الإنسان بالأخر ومدى ارتباطه وحنينه بالأيام والأماكن التي مرّت من خلالهما برفقة الحنين .
كم جميل أن يحافظ الإنسان على إرثه التاريخي ، فكم جميل السوق المسقوف في حمص بعد أن جدد واحتفظ بمعالمه وذكرياته في آن واحد ، وكم كان جميلا لو رأيت سوق الحريم والأسواق المحيطة به تحتفظ بإرثها التاريخي وذكرياتها بلمسة حضارية ، فليس الحضارة مرتبطة بعمرها وحسب , لكن الحضارة هو الحفاظ على ما كنا عليه .
أمارس ذكرياتي … في حين أن موطني الأصل “سوريا” ما بين الحرية والدمار , وما بين الأفراح والأحزان , وما بين الموت والولادة, والشعب ههنا مشغولا في أزمات الرشاوي ومطرقة رئيس مجلس الأمة , قد أتهم باللامبالاة , فليس من الغريب أن يتهم العاشق باللامبالاة لكن الغريب أن يتنازل العاشق عن عشقه بسهولة وينسى .
مشهد سوق الحريم الجديد أعادني بلا وعي إلى قصيدة “هنيئا لك قلبي” كتبتها في العام الماضي وكأنني في ذلك الحين أشعر أن قطعة من قلبي ستجتثّ في يوم وفي مشهد قريب …
شكرا لك قلبي ..
كتبتني ..
في زمن النسيان
في ذاكرة ..
لم يبقَ منها .. شيئا يُذكر
في وطن اللامكان
وكلُّ من فيه ولّى .. وأدبر
شكرا .. معتذرا ..
ولدتني في فوضى الصّمت ..
إنسان
قد يأتي يوم ..
أنْ كان لي قلب ..
لا أذكر .
الكويت لا تحسن الحفاظ على الذكريات , وبارعة في صناعة اللاتاريخ واللامكان .
سأورّخ ذاكرتي هذي لأول مرة بالتاريخين الهجري والميلادي لعلي أحتفظ بآخر ذكريات سوق الحريم .
الكويت
4 كانون أول 2011
9 محرم 1433


التعليقات
لا تعليقات
شاركنا بتعليقك الهادف